الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ أما بعد: كيف يتسلَّطُ الشيطانُ على أوليائه؟ بادئَ ذي بِدءٍ - إنَّ عرش إبليسَ من أجْلَى مظاهرِ سُلطته، يجلس عليه إبليس، ويُصدِرُ من فوقه الأوامر، ويُوجِّه القرارات. عن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: قال: النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً)[1]. ويتسلَّط الشيطانُ على أوليائه: عن طريق اختيار أماكن السيطرة والعلو: وهنا تتعدَّد أماكنُه التي يُحاول السيطرةَ عليها. والمتأمِّل: يجد أن اللعين لا يُفوِّتُ موقفاً إلاَّ ويُحاول السيطرةَ من خلاله. وقد أصبحت هناك مواطنَ هي كالأعلام على سيطرته، منها: 1- طلوع الشمس وغروبُها: فالشمس بمكانها المرتفع رمزٌ للعلو، وقد حاول اللعين من خلالها السيطرة على أوليائه؛ الكفارِ والمنافقين: عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ)[2]. عن عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ - رضي الله عنه - قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ الأُخْرَى؟ أَوْ هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنَ الْعَبْدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ؛ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ سَاعَةُ صَلاَةِ الْكُفَّارِ، فَدَعِ الصَّلاَةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ)[3]. وفي رواية: (وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ)[4]. وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً)[5]. قال النووي - رحمه الله - في معنى قولِه: «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»: (معناه: أنَّ الشيطانَ يُدنِي رأسَه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجدون لها من الكفار، كالساجدين له في الصورة، وحينئذٍ يكونُ له ولِبَنِيهِ تسلُّطٌ ظاهر، وتَمَكُّنٌ من أنْ يُلْبِسُوا على المُصلِّين صلاتَهم، فَكُرِهَتْ الصلاةُ حينئذٍ؛ صيانةً لها، كما كُرِهَتْ في الأماكنِ التي هي مأوى الشيطانِ)[6]. وقال ابن حجر - رحمه الله: (وقرنا الشيطان: جانبا رأسه، يقال: أنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين جانبي رأسه لتقع السجدة له، إذا سَجَد عبدةُ الشمس لها، وكذا عند غروبها)[7]. ومن المواطن التي يُحاوِل الشيطانُ التَّسلُّط عليها: 2- تسلُّطُه على أوليائه عن طريقِ اختيارِ السُّلطة الجاهلية: قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء: 60]. وجه الدلالة: جاء الربط بين الحكم والتحاكم الكفري بالشيطان في موضعين من هذه الآية الكريمة، الأول: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ وهو الشيطان، والآخر: ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ﴾ وفي هذا التَّكرار والربط توكيدٌ على الالتصاق، وعدم الفصل بين الشيطان وبين الحكم الجاهلي. ويختار الشيطان الرجيم مركزَ السلطة عند البشر، ويُحاول السيطرةَ عليه؛ لِعِلْمِه أنَّ في هذا التَّسلُّطِ إمكانيةً أكبرَ للإفساد والإضلال، وقد أصبح كلُّ صاحبِ سُلطةٍ جاهليةٍ شيطاناً حقيقةً لا مجازاً[8]: عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - رضي الله عنه - قال: قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ؛ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ)[9]. فقوله: (لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ) أي: من حيث العلم (وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي) أي: من حيث العمل. والمعنى: أنهم لا يأخذون بالكتاب والسنة، (وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ؛ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ)، أي: كقلوبهم في الظلمة والقساوة، والوسوسة والتلبيس، والآراء الكاسدة، والأهواء الفاسدة (فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ)، أي: في صورة جسد بني آدم[10]. فهؤلاء الأئمة الضلال تركوا الاهتداء بالشرع الحكيم، فصاروا من أولياء الشيطان، بل صاروا بذلك شياطينَ الإنس.